محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
335
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
على العبد ما دام في صلاته ، وإن اللّه لينصب إلى أحدكم وجهه ما دام مقبلا عليه » « 1 » ولأجل هذه الفوائد كانت الصلاة مفزع ذوي الفاقات والضرورات من أرباب القلوب ، فيغنيهم وجودها عن كل مرغوب ويتسلون بها عن كل محبوب ، قال اللّه تعالى : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً [ طه : 132 ] . فواجب إذن أن تكون قرّة أعين عباد اللّه فيها وبها . وقرة العين عبارة عن الرّوح والراحة وكمال النعيم واللذة التي تحصل من غاية الموافقة والملائمة ، إلا أنها تختلف باختلاف أحوال الناس في مراتبهم ومقاماتهم فمن عظمت منزلته ، وعلت مرتبته كانت ملاءمته وموافقته في شهود التوحيد وكمال التجريد المشار إليه في قوله صلى اللّه عليه وسلم « أن تعبد اللّه كأنك تراه » « 2 » إذ محال أن يراه ويشهد معه سواه ، كما قال المؤلف رحمه اللّه تعالى . وفيما روي عن عبد اللّه بن عمر ، رضي اللّه عنهما ، في قوله لعروة بن الزبير ، رضي اللّه عنهما : « إنا كنا نتراءى اللّه بين أعيننا » وكان هذا لما خطب إليه عروة بن الزبير ابنته وهو في الطواف « 3 » ، فلم يكلمه ابن عمر ، ولم يرجع إليه بشيء ، ثم اعتذر له بعد ذلك بهذا الكلام فصاحب هذه الحال تكون قرة عينه في الصلاة لا بها ، لما تتضمنه من التجلي التام ، والشهود الحقيقي . ومن كانت منزلته دون ذلك كانت ملاءمته وموافقته في شهود النعم ووجود الفضل والكرم ، وكانت قرة عينه بها ، لا فيها ، لأنها فضل من اللّه ، وبارزة من منة اللّه كما قال المؤلف رحمه اللّه تعالى . فلا شك أن معنى قرة العين في الوجه الأول ، وبه أنسب وأليق ، لأن صاحبه فان عن نفسه ، باق بربه ، ومن كان على هذا الوصف فهو من المخلصين الذين لا سلطنة عليهم للعدو اللعين . ومن زالت سلطنته عنه في صلاته لم يحتج إلى مدافعته ومراجعته ، وكانت صلاته ملزومة بالحضور والخضوع ، والدوام والخشوع . وعند فقدان العبد لحديث نفسه ، ووسوسة عدوه يحصل له غاية النعيم واللذة ، ويتحقق في حقه معنى قرة العين بخلاف الوجه الآخر ، فإن صاحبه لم يغن عن نفسه ، فضلا عن أن يرتقى إلى درجة البقاء بربه ،
--> - 5 ) ، ( زهد ، 22 ) ، والدارمي ( وضوء ، 2 ) ، وأحمد بن حنبل ( 5 ، 342 ، 344 ) . ( 1 ) أخرجه أبو داود ( صلاة ، 161 ) ، والنسائي ( سهو ، 10 ) ، والدارمي ( صلاة ، 134 ) ، وأحمد بن حنبل ( 5 ، 172 ) . ( 2 ) مرّ ذكره . ( 3 ) الطواف : ( شرعا ) الدوران حول الكعبة .